كيف أسقطت القاهرة السردية الإثيوبية؟
سعدتُ كثيراً بتصريحات الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري؛ إذ جاءت حاسمة، وتكشف عن تحول لافت وتغير جوهري في الخطاب الإعلامي والدبلوماسي المصري، خطاب يتسم بالقوة والوضوح والمواجهة الصريحة، ويقطع الطريق على محاولات التزييف وفرض الأمر الواقع.
وفى هذا السياق؛ تأتي تصريحات الدكتور هاني سويلم، خلال لقائه مع ممثلي وسائل الإعلام الإقليمية والدولية بالقاهرة، لتطرح رؤية سياسية وقانونية حاسمة بشأن ملف المياه ونهر النيل، متجاوزة حدود الطرح الفني المباشر إلى وضع أطر واضحة للحقوق الوجودية وقواعد التعامل مع الأنهار الدولية العابرة للحدود، إذ شكلت التصريحات وثيقة متكاملة تُترجم المعطيات العلمية إلى مواقف دولية صريحة.
ركزت الكلمة في جوهرها على نزع الشرعية عن سد النهضة الإثيوبي، حيث جرى التأكيد على أن السد غير شرعي وسيبقى كذلك نتيجة إنشائه وملئه وتشغيله بشكل أحادي دون اتفاق قانوني ملزم، مع التشديد على أن اكتمال أعمال البناء أو مرور الوقت لا يمكن أن يمنح المشروع مشروعية قانونية، ولا يعني قبول مصر بفرض الأمر الواقع أو سقوط حقوقها التاريخية والقانونية، ذلك أن الأعراف الدولية المستقرة تقر بأن الأفعال المنفردة المخالفة للقانون لا تكتسب المشروعية بمرور الزمن، حيث يكمن جوهر الأزمة في غياب أطر التنسيق وتداول البيانات المائية بين دولتي المصب ودولة المنشأ.
كما تطرّق اللقاء إلى تفكيك النهج الإثيوبي القائم على فرض سياسة الأمر الواقع واحتكار السيادة على مجرى مائي عابر للحدود، مع الرد الحاسم على محاولات التستر بالغطاء التنموي؛ إذ أوضح الوزير أن اعتراض مصر لا يستهدف بأي حال حق الشعب الإثيوبي في التنمية أو النفاذ إلى الطاقة الكهربائية، بل يواجه نزعة الهيمنة المائية والقرارات الأحادية. وقدمت التصريحات مقترحات عملية تدعو للتوجه نحو مصادر الطاقة البديلة كالرياح والشمس، باعتبارها حلولاً مستدامة ومجدية لا تضر بحقوق دول الجوار ولا تذكي الأزمات الجيوسياسية في المنطقة؛ ولا سيما أن غياب التنسيق وتبادل البيانات يضع الإقليم بأكمله أمام مخاطر جسيمة، سواء بتفريغ كميات ضخمة من المياه فجأة بما يحدث فيضانات صناعية تهدد السلامة الهيكلية للسدود المباشرة، أو بحجز المياه دون دراسة مما يخلق جفافاً صناعياً يضرب الخطط الزراعية، في وقت تظل فيه التساؤلات قائمة حول مدى استفادة الشعب الإثيوبي الفعالية من هذه الكهرباء مقابل توجيهها لأغراض أخرى.
ومن هذا المنطلق، أؤكد أن أديس أبابا لا تعمل من أجل تنمية المواطن الإثيوبي أو انتشاله من الفقر بقدر ما توظف الملف المائي كأداة للمكايدة السياسية، واستعراض النفوذ الإقليمي، وتصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج تحت شعارات تنموية زائفة، مضحيةً باستقرار المنطقة وقواعد القانون الدولي لصالح أجندات السيادة المنفردة والتكسب الجيوسياسي وتنفيذ اجندات تعمل لحسابها ..
وفي هذا الصدد، تتجلى العقيدة المصرية الثابتة في الحرص الشديد على دعم وتنمية دول حوض النيل والقارة الأفريقية بكافة الأشكال الممكنة، إذ لم تكن مصر يومًا مانعًا للتنمية، بل شريكًا رئيسيًا في إرساء دعائمها عبر التاريخ، حيث قدمت الدولة المصرية نماذج عملية مشهودة في دعم وإقامة المشروعات التنموية والمائية لدى أشقائها، والتي تمثلت في مشاركة مصر المباشرة بل وإنشائها وتمويلها لسدود مائية ومحطات توليد كهرباء في عدة دول حوض النيل وافريقيا ، مثل سد جوليوس نيريري في تنزانيا الذي شُيّد بأيدٍ وخبرات مصرية خالصة لتوليد الطاقة الكهرومائية وتحقيق التنمية المستدامة دون الإضرار بأي طرف، فضلاً عن المساهمة التاريخية في إنشاء سد أوفان في أوغندا، وسد فولا في جنوب السودان الذي وافقت عليه مصر ، وخزان جبل الأولياء في السودان، إلى جانب حفر مئات الآبار الجوفية لتوفير مياه الشرب النظيفة في كينيا وجنوب السودان وتنزانيا، وإنشاء مراكز التنبؤ بالأمطار وإنذار الفيضانات وتطهير المجاري المائية من الأعشاب، فضلاً عن تقديم تمويلات لمشروعات تعاونية داخل دول حوض النيل تجاوزت مئة وعشرين مليون دولار، وإطلاق صندوق استثماري برأسمال مبدئي قدره مئة مليون دولار لمشروعات البنية التحتية التنموية بدول الحوض الجنوبي، مما يؤكد الموقف المصري الذي يضع أمام القارة نموذجًا تعاونيًا تنمويًا في مقابل النموذج الأحادي الصدامي القائم على فرض الأمر الواقع وتجاهل المخاوف الفنية والتصريحات غير المسئولة لوزراء اثيوبيا .
وفي سياق دحض الادعاءات الخاصة بالفقر المائي، اعتمد اللقاء وكلمة وزير الري على لغة الأرقام والبيانات المقارنة لإسقاط السردية الإثيوبية، مشير إلى أن حجم الاستهلاك المائي للثروة الحيوانية في إثيوبيا وحده يتجاوز 150% من إجمالي حصة مصر المائية، فضلاً عن الاعتماد الواسع على مياه الأمطار والمياه الخضراء والأراضي المزرعة مطريًا بمساحات شاسعة، وهو ما يعكس الفارق الشاسع في الطبيعة المائية بين الدولتين ويؤكد أن إثيوبيا تمتلك خيارات مائية هائلة تجعل المفهوم الإثيوبي للادعاء بالمظلومية غير قائم على أرقام رسمية، كما تم التذكير بسجلات المؤسسات الدولية كالبنك الدولي التي تثبت أن التاريخ المصري لم يشهد اعتراضًا على أي مشروع تنموي في دول الحوض طالما يلتزم بالقواعد والمعايير الدولية.
وعلى صعيد إدارة الموارد المائية، أكدت تصريحات الوزير أن القدرة العالية التي حققتها مصر في إدارة منظومتها المائية الداخلية والتكيف مع الشح المائي ومخاطر الجفاف الصناعي عبر إعادة تدوير المياه وتطوير أساليب الري وتوفير الشبكات الحديثة هي إنجازات وطنية كبرى، لكنها لا تُخلي بأي حال من الأحوال مسؤولية أي طرف عابر للحدود من التزاماته القانونية، ولا تمنحه حق التعدي على الحصص المائية الطبيعية لدول المصب، إذ يظل المساس بتدفقات النيل الشرقية خطًا أحمر يمس الأمن الوجودي للشعب المصري.
وبتأكيد موقف مصر القائم على التمسك بالسلام المستند إلى القوة والقانون الدولي، مع إعلان احتفاظ القاهرة بكافة الخيارات والتدابير المكفولة بموجب المبادئ الدولية لحماية أمنها المائي الوجودي، وعبرت كلمة وزير الري الدكتور هاني سويلم عن الموقف الشامل في أن نهر النيل مجرى دولي مشترك وليس ملكية خاصة، وأن التنمية حق مكفول بشرط عدم الإضرار بمصالح الآخرين أو محاولة فرض الواقع المنفرد بالقوة.
وفي النهاية، تظل مصر متمسكة بحقها الأصيل والتاريخي في حماية والدفاع عن شريان حياتها الخالد؛ نهر النيل. إن الرؤية التي طرحتها القاهرة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه صيانة قواعد القانون الدولي المائي، موجهة رسالة جازمة مفادها أن سياسات فرض الأمر الواقع لن تمنح السلوكيات الأحادية أية مشروعية، ولن تتبدل معها الحقائق الثابتة بأن النيل مجرى دولي مشترك يرفض الهيمنة والاحتكار. إن حماية الأمن المائي المصري ليست مجرد ورقة تفاوضية في أروقة الدبلوماسية، بل هي قضية وجود وممارسة سيادية واعية توازن بين الحكمة والتنمية والشراكة من جهة، والجاهزية المطلقة لاستخدام كافة أدوات القوة والنفوذ من جهة أخرى، صوناً لحقٍ أزلي لا يخضع للتفاوض ولا يقبل المساومة.
مصطفى البلك
[email protected]